الشوكاني
437
فتح القدير
وقال المبرد : هو اسم يستعمل مصدرا كالرضا ، والعدل فيقع على الواحد والجمع ، قال الله سبحانه - أو الطفل الذين لم يظهروا - . قال ابن جرير : هو منصوب على التمييز كقوله - فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا - وفيه بعد ، والظاهر انتصابه على الحال بالتأويل المذكور ، والطفل يطلق على الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ ( ثم لتبلغوا أشدكم ) قيل هو علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة له ، كأنه قيل : نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا إلى الأشد ، وقيل إن ثم زائدة ، والتقدير لتبلغوا ، وقيل إنه معطوف على نبين ، والأشد هو كمال العقل وكمال القوة والتمييز ، قيل وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين . وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام ( ومنكم من يتوفى ) يعني قبل بلوغ الأشد ، وقرئ " يتوفى " مبنيا للفاعل . وقرأ الجمهور " يتوفى " مبنيا للمفعول ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) أي أخسه وأدونه ، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل ، ولهذا قال سبحانه ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) أي شيئا من الأشياء ، أو شيئا من العلم ، والمعنى : أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها ، لا علم له ولا فهم ، ومثله قوله - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين - وقوله - ومن نعمره ننكسه في الخلق - ( وترى الأرض هامدة ) هذه حجة أخرى على البعث ، فإنه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات ، والهامدة اليابسة التي لا تنبت شيئا ، قال ابن قتيبة : أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت ، وقيل دارسة ، والهمود الدروس ، ومنه قول الأعشى : قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همودا وقيل هي التي ذهب عنها الندى ، وقيل هالكة ، ومعاني هذه الأقوال متقاربة ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) المراد بالماء هنا المطر ، ومعنى اهتزت تحركت ، والاهتزاز شدة الحركة ، يقال هززت الشئ فاهتز : أي حركته فتحرك : والمعنى : تحركت بالنبات ، لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة ، فسماه اهتزازا مجازا . وقال المبرد : المعنى اهتز نباتها فحذف المضاف ، واهتزازه شدة حركته ، والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض ، ومعنى ربت ارتفعت ، وقيل انتفخت . والمعنى واحد ، وأصله الزيادة ، يقال ربا الشئ يربو ربوا إذا زاد ومنه الربا والربوة . وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس " وربأت " أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية ، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له رابئ ورابئة وربيئة ( وأنبتت ) أي أخرجت ( من كل زوج بهيج ) أي من كل صنف حسن ولون مستحسن ، والبهجة الحسن ، وجملة ( ذلك بأن الله هو الحق ) مستأنفة ، لما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره . قال بعد ذلك هذه المقالات ، وهى إثبات أنه سبحانه الحق ، وأنه المتفرد بإحياء الموتى ، وأنه قادر على كل شئ من الأشياء . والمعنى : أنه المتفرد بهذه الأمور وأنها من شأنه لا يدعي غيره أنه يقدر على شئ منها ، فدل سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني المطلق ، وأن وجود كل موجود مستفاد منه ، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول ، وقيل ذو الحق على عباده ، وقيل الحق في أفعاله . قال الزجاج : ذلك في موضع رفع : أي الأمر ما وصفه لكم وبين بأن الله هو الحق . قال : ويجوز أن يكون ذلك نصبا ، ثم أخبر سبحانه بأن ( الساعة آتية ) أي في مستقبل الزمان ، قيل لا بد من إضمار فعل : أي ولتعلموا أن الساعة آتية ( لا ريب فيها ) أي لا شك فيها ولا تردد ، وجملة ( لا ريب فيها ) خبر ثان للساعة ، أو في محل نصب على الحال . ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال ( وأن الله يبعث من في القبور ) فيجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وأن ذلك كائن لا محالة . وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه ، والنسائي وابن جرير وابن المنذر